منوعات

مع ارتفاع الدين العام.. هل سيشهد العراق انهيارًا اقتصاديًا؟

منذ أشهر والعراق يعاني من ضائقة مالية كبيرة لم يشهد لها مثيلًا منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، فمع تفشي جائحة كورونا (COVID-19) وتراجع الاقتصاد العالمي تهاوت أسعار النفط إلى الحد الذي بات فيه العراق يعاني من شح الموارد المالية التي يعتمد في 95% منها على ما يجنيه من بيع نفطه. 

في ظل الوضع الحاليّ واستمرار الحكومة العراقية باللجوء إلى الاقتراض وعدم قدرتها على إيجاد موارد مالية أخرى، يحذر باحثون في الشان الاقتصادي من انهيار اقتصادي وشيك في البلاد. 

شهد العراق خلال السنوات الـ17 الماضية تضاعف أعداد الموظفين العموميين إلى أكثر من 6 أضعاف في الوقت الذي لم يتضاعف فيه عدد سكان العراق، فقد كشف وزير الإعمار والإسكان في الحكومة السابقة بنكين ريكاني ارتفاع عدد الموظفين في العراق إلى أكثر من 700% بعد عام 2003، وأضاف ريكاني أن عدد الموظفين عام 2003 كان يقدر بنحو 850 ألف موظف فقط، في الوقت الذي وصلت فيه أعداد الموظفين الحاليّين إلى قرابة 6 ملايين موظف ومتقاعد. 

أما عضو اللجنة المالية البرلمانية أحمد حمه رشيد فأشار من جانبه إلى أن أعداد من يتقاضون رواتب من الدولة تصل لنحو 3.15 مليون موظف و3.7 مليون متقاعد و1.5 مليون من ذوي الرعاية الاجتماعية، وهو ما أدى بالحكومة إلى أن تكون مكبلة بنفقات ثابتة واجبة الدفع شهريًا، وأضاف رشيد في حديثه لـ”نون بوست” أن قيمة ما تتطلبه الرواتب تقدر بـ4 مليارات دولار شهريًا، وهو ما لا يتوافر لدى الحكومة حاليًّا بسبب تدهور أسعار النفط وعدم وجود بدائل. 

أما الخبير المالي محمود داغر فيؤكد أن أعداد الموظفين في العراق هائل، خاصة مع وجود نحو ربع مليون موظف فضائي (وهمي)، إضافة إلى عشرات الآلاف من الموظفين الذين يتقاضون رواتب دون وجودهم في مؤسساتهم الحكومية، وهو ما يعد هدرًا كبيرًا في المال العام. 

وفي ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها البلاد، طرحت وزارة المالية حزمة إصلاحات أطلقت عليها (الورقة البيضاء) وجاءت في قرابة الـ100 صفحة، وتضمنت العديد من الإجراءات الحكومية والتشريعات التي تكفل للعراق الخروج من الوضع الحاليّ.

وفي مؤتمر صحفي عقده ببغداد، أشار وزير المالية العراقي علي علاوي إلى أن الورقة البيضاء هي برنامج إصلاحي للشأن المالي والاقتصادي، وستتحول إلى تشريعات بهدف إصلاح الوضعين الاقتصادي والمالي، مضيفًا أن وضع العراق سيكون أفضل بكثير اقتصاديًا.

وكشف علاوي أن المنافذ الحدودية للبلاد مرتبطة بحركة الاستيراد ولها أهمية في تعزيز واردات الدولة، خاصة أن العراق يستورد من الخارج بضائع بقيمة 60 مليار دولار سنويًا، أما المتحدث باسم رئيس الوزراء أحمد ملا طلال فكشف في ذات المؤتمر الصحفي أن الورقة البيضاء قابلة للتطبيق في فترة تمتد من 3 إلى 5 سنوات، وهو ما واجه كثيرًا من الانتقادات.

وتعليقًا على الورقة البيضاء، قالت عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية ندى شاكر جودت إن مدة تنفيذ الإصلاحات بين 3 إلى 5 سنوات تعني أنها إصلاحية للمشاكل الاقتصادية المتراكمة في البلاد، إلا أن المشكلة الآنية أن العراق في الوقت الحاليّ أشبه بالدولة المفلسة وبحاجة لمعالجة الأوضاع الحاليّة على وجه السرعة، عازية انتقادها للورقة البيضاء في توجه الحكومة لطلب الاقتراض للمرة الثانية في غضون أشهر. 

وأضافت جودت أن الورقة الإصلاحية تتحدث عن إصلاح إستراتيجي للاقتصاد على المدى الطويل، غير أن الأزمة الحاليّة تتطلب إيجاد بدائل فورية للموارد المالية النفطية، مشيرة إلى أنها طالبت رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مرارًا بضبط مزاد العملة الذي توازي إيراداته إيرادات النفط، فضلًا عن ضرورة استحصال ديون شركات الهواتف النقالة.

تعيش البلاد منذ أشهر في ضائقة مالية أدت إلى أن تُقدِمَ وزارة المالية على إيقاف صرف جميع النفقات التشغيلية للوزارات الحكومية في محاولة لضبط النفقات، خاصة أن العراق هذا العام لم يقر ميزانية مالية، واعتمدت النفقات الحكومية على ما نسبة مقدارها 1 إلى 12 من قيمة الموازنة السابقة التشغيلية غير أن الحكومة لا تملك حتى هذه النسبة.

وسط الأزمة المالية الحاليّة، تحركت الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي باتجاهات عدة لضبط النفقات، حيث تحاول الحكومة جاهدة ضبط المنافذ الحدودية بما تشمله من جمارك وضرائب، فضلًا عن الكشف عن أكثر من 30 ألف موظف ومتقاعد يتقاضون رواتب من شبكة الرعاية الاجتماعية. 

إلا أن جميع هذه الإجراءات جاءت متأخرة ولا تستطيع انتشال العراق من الوضع الذي هو فيه، إذ يشير الباحث في الشأن الاقتصادي محمد الحمداني في حديث لـ”نون بوست” إلى أن أكبر مشكلة تواجه العراق اقتصاديًا تتمثل بتضخم النفقات التشغيلية ورواتب الدرجات الوظيفية العليا ومخصصاتهم، فضلًا عن الفساد المستشري في البلاد وعدم قدرة الدولة على ضبط الاقتصاد العراقي إحصائيًا. 

ويضيف الحمداني أن الدولة العراقية لا تزال تجهل العدد الدقيق للموظفين الحكوميين، فضلًا عن ترهل كبير في الوزارات والمؤسسات الحكومية التي تعتمد على التمويل الذاتي، مشيرًا إلى أنه لا حل للأزمة المالية الحاليّة إلا بإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي ومحاربة الفساد ورفع قيمة الضرائب على البضائع المستوردة بما يضمن تشجيع القطاع الصناعي المحلي على العودة للإنتاج.

أرقام صادمة تلك التي تتحدث عن الاقتصاد العراقي، إذ توقع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي للعراق بنسبة 9.7% هذا العام، متراجعًا عن نسبة النمو الإيجابية البالغة 4.4% المسجلة العام الماضي، ما يعني تسجيل أسوأ أداء سنوي منذ 2003 على الإطلاق.

وفي حال بقاء أسعار النفط منخفضة وعدم اتخاذ تدابير إصلاحية، فإن توقعات البنك الدولي تشير إلى أن عجز الميزانية سيتجاوز 29% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020، ما سيرفع احتياجات التمويل الإجمالية إلى 67 مليار دولار (أكثر من 39% من الناتج المحلي الإجمالي).

من جانبه، قدر معهد (جيفريز) للخدمات المالية أن حاجة العراق من التمويل الخارجي هذا العام ستكون بنحو 40 مليار دولار، مع صعوبات كبيرة وشبه مستحيلة في الحصول عليها لعدم تنفيذ العراق الإصلاحات الاقتصادية التي كان قد اشترطها صندوق النقد الدولي.

وكان معهد كارنيغي الأمريكي قد نشر في الـ5 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ تحليلًا خاصًا بالاقتصاد العراقي، إذ تقول كاتبة التحليل الباحثة كيريك سويل إنه ونظرًا للظروف والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العراق منذ أشهر، فإن البلاد يمكن أن تواجه في عام 2021 سيناريوهات وأوضاع أسوأ من الحالية بكثير.

العراق سيكون بين خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يشرع في إصلاح نظامه الاقتصادي وإما أن ينهار اقتصاده تمامًا

وتضيف سويل في ورقتها التحليلية التي نشرها الموقع أنه ووفقًا للتوقعات المحدَّثة التي وضعها صندوق النقد الدولي عن أسعار نفط برنت، سوف يبلغ سعر برميل النفط 46.7 دولار، وبما أن الأسعار الحاليّة تتراوح بين 40-45 دولارًا للبرميل، فإن الاحتياطيات النقدية للعراق تُسجّل تراجعًا تدريجيًا، فضلًا عن أنه وفي ضوء أسعار النفط الحاليّة، فإن المصرف المركزي العراقي يمكن أن يستمر في تمويل الحكومة لنحو 8 أو 9 أشهر فقط.

أما فيما يتعلق بالخطوات الفورية، تضيف سويل أنه يُرجَّح في الحد الأدنى أن يشهد العراق عام 2021 تراجعًا في قيمة الدينار العراقي الذي ظل ثابتًا لفترة طويلة عند 1182 دينارًا للدولار الواحد، إذ إن تخفيض قيمة العملة العراقية سيخفف قليلًا من الضغوط على المصرف المركزي، وسيساهم في خفض كلفة النفقات الحكومية.

إلا أن الجانب السيئ في ذلك، بحسب سويل، يكمن في زيادة التضخم بمرور الوقت، مضيفة أن التهديد الأكبر في البلاد يتمثل بأن المصرف المركزي لن يتمكن (بحلول منتصف إلى أواخر سنة 2021) من الاستمرار في دعم الحكومة، ما يفرض اعتماد إجراءات تقشفية من خلال التوقف عن سداد النفقات التشغيلية بما في ذلك الرواتب.

ومع تراجع حجم احتياطات العراق من النقد الأجنبي، يبدو أن العراق سيتجه إلى الاقتراض الخارجي من صندوق النقد الدولي الذي اشترط على العراق قبل أشهر إجراء الإصلاحات التي يطالب بها وزير المالية العراقي علي علاوي التي يرفضها البرلمان العراقي حتى الآن، ما يعني أن العراق سيكون في ضائقة مالية لن يفلح معها الاقتراض الداخلي الذي لن يكون ممكنًا في ظل فراغ البنك المركزي من الاحتياط النقدي. 

وبالتالي، ووفق المعطيات والمؤشرات الاقتصادية، فإن العراق سيكون بين خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يشرع في إصلاح نظامه الاقتصادي وإما أن ينهار اقتصاده تمامًا، مع الأخذ بنظر الاعتبار كم المشكلات التي ستنفجر في البلاد – اجتماعيًا وأمنيًا وسياسيًا – في ظل اعتماد القطاع الخاص العراقي بالمجمل على النفقات الحكومية ورواتب الموظفين.



الخلاصة

هو موقع إخباري تجدون فيه كل ماهو جديد وحصري في عالم السياسة ، الصحة ، الرياضة ، التكنولوجيا ، الفن ، الطبخ وحتى الصناعات اليدوية ، أيضاً التاريخ ، كونوا في الموعد لنوافيكم بكل ماهو جديد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى