منوعات

خنجر في الظهر.. ما السبيل لخروج المرتزقة من ليبيا؟

جددت كل من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية أمس الإثنين دعوتهما لضرورة إخراج جميع المرتزقة من ليبيا دون تأخير، لما سببه وجودهم المتواصل هناك منذ سنوات في أزمات عدة بليبيا، ومن المنتظر أن تتواصل في حال لم يتم الإسراع في إخراجهم من البلاد، فما الذي يؤخر ذلك إلى حد الآن رغم الإجماع الدولي على ضرورة هذه الخطوة؟

يوم 23 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اتفقت اللجنة العسكرية الليبية المشتركة بدعم من الأمم المتحدة على إلزام المرتزقة والقوات الأجنبية بمغادرة الأراضي الليبية في غضون 3 أشهر، وإعادة القوات المحلية إلى ثكناتها العسكرية ونزع الألغام وتبادل الأسرى بين الطرفين.

مرت المهلة لكن لم تظهر أي مؤشرات على انسحاب قريب للمرتزقة من ليبيا، بل كثف هؤلاء نشاطهم وأعادوا التموضع في أماكن عدة، وقبل يومين أعلن الجيش الليبي، رصد بناء مرتزقة “فاغنر” الروس ساترًا ترابيًا بين مدينتي سرت والجفرة، وقبل ذلك رصد الجيش عودة مرتزقة “فاغنر” و”الجنجويد” السودانية إلى مدينة سرت (غرب) بعد انسحابهم خارجها لأميال، قبل أيام.

وخلال السنوات الأخيرة، مثلت ليبيا وجهة مغرية لآلاف المرتزقة الذين يعملون لحسابهم الشخصي أو لحساب شركات أمنية خاصة متعددة الجنسيات، على غرار شركة فاغنر الأمنية الروسية التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال يفغيني بريغوجين المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يُعد إخراج المرتزقة من ليبيا ضرورة قصوى للمضي في عملية السلام التي أقرتها الأمم المتحدة

تقدر الأمم المتحدة عدد المرتزقة الموجودين في ليبيا بنحو 20 ألفًا، ومن بين هؤلاء نجد آلاف الروس والسودانيين والتشاديين يقاتلون مع قوات حفتر، التي تسيطر على سرت ومنطقة الجفرة، بالإضافة إلى الشرق كله وأجزاء من الجنوب.

هؤلاء المرتزقة موزعون في الغالب حول سرت (قاعدة القرضابية العسكرية) حيث يقع خط الجبهة منذ منتصف يونيو/حزيران الماضي وإلى الجنوب في قواعد جوية رئيسية لا سيما في الجفرة الجوية، على بعد 500 كيلومتر جنوب طرابلس لصالح الموالين لحفتر، إضافة إلى تمركزها في مناطق الجنوب والشرق ووسط ليبيا، قرب الحقول والموانئ النفطية.

وجود هذا الكم من المرتزقة يعد انتهاكًا مروعًا للسيادة الليبية، وفق الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز، وتؤكد وليامز أيضًا أن هؤلاء المرتزقة يتسببون في تدفق السلاح إلى ليبيا.

إلى جانب ذلك، ساهم وجود المرتزقة في تعقيد الوضع الليبي، إذ يمثل استمرار وجودهم في البلاد خطرًا قائمًا يُهدد سيرورة العملية السياسية والسلم الاجتماعي هناك، فهم عنصر تأزيم في الحالة الليبية، وليس أداة سلام، واستمرار وجودهم يمثل عقبةً في وجه جهود الأمم المتحدة لإرساء السلام في هذا البلد العربي.

وكان اللواء المتقاعد خليفة حفتر قد استعان بهؤلاء المرتزقة في الحرب على العاصمة طرابلس في أبريل/نيسان 2019، للإطاحة بحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، لكنه لم يُفلح في ذلك وتلقى هزيمة كبرى على يد قوات حكومة الوفاق الشرعية.

هزيمتها إلى جانب حفتر في حرب طرابلس، دفعها إلى التموقع في أماكن أخرى استعدادًا لحروب قادمة تنفيذًا لأجندات الدول الأجنبية الراعية لها على رأسها روسيا وفرنسا، وأيضًا للحصول على امتيازات آنية، خاصة أن البلاد مفككة وتزخر بخيرات طبيعية كثيرة.

وتعمل مجموعات عديدة من هؤلاء المرتزقة على إنشاء بؤرة استيطانية دائمة في المنطقة الشرقية، حتى يتمكنوا من فرض سيطرتهم على خيرات ليبيا خاصة النفط، حيث يحتوي هذا البلد العربي على كميات هائلة من النفط.

وما زال الليبيون إلى الآن يدفعون ضريبة عدوان “الانقلابي” خليفة حفتر على طرابلس واستنجاده بالمرتزقة الأجانب، حيث يموت الناس جراء الألغام في العاصمة ومحيطها، وتُكتشف المقابر الجماعية كل يوم في مناطق عدة من البلاد.

رغم التفاهمات التي أجريت بين الأطراف السياسية في الحوار الليبي، بدعم من الأمم المتحدة والمصادقة على حكومة جديدة، تبقى مسألة المرتزقة تؤرق المسؤولين الليبيين في ظل تعنتهم ورفضهم الخروج من البلاد.

أمام كل هذا، يُعد إخراج المرتزقة من ليبيا ضرورة قصوى للمضي في عملية السلام التي أقرتها الأمم المتحدة وأفرزت انتخاب مجلس رئاسي جديد بقيادة محمد يونس المنفي وحكومة جديدة يقودها عبد الحميد الدبيبة ستحل محل حكومة الوفاق الوطني.

يتوجب على الليبيين بذل جهود إضافية لإقناع الدول الأجنبية التي أرسلت المرتزقة لإخراجهم من هناك لضمان مستقبل ليبيا بعيدًا عن العنف والفوضى

خلال جلسات منح الثقة للحكومة بسرت، دعا الدبيبة، المرتزقة والمقاتلين الأجانب الموجودين في ليبيا إلى المغادرة، قائلًا: “المرتزقة خنجر في ظهر ليبيا، ولا بد من العمل على إخراجهم ومغادرتهم، وهو أمر يتطلب الحكمة والاتفاق مع الدول التي أرسلتهم”.

منتصف هذا الشهر، دعا مجلس الأمن الدولي في إعلان اعتمده بالإجماع إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية ومن وصفهم بالمرتزقة من ليبيا دون تأخير، وطالب الأطراف بالتنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع، في أكتوبر/تشرين الماضي، وحث الدول الأعضاء على احترام الاتفاق ودعم تنفيذه بالكامل.

ويمثل ملف المرتزقة الخطر الأول الذي يهدد استقرار ليبيا والسير في العملية السياسية المعقدة، وفق العديد من السياسيين والمتابعين للشأن الليبي، ذلك أن إرادتهم ليست بأيديهم بل بيد الدول التي أرسلتهم إلى ليبيا.

تأخر خروج المرتزقة من ليبيا رغم إجماع مجلس الأمن الدولي على ضرورة انسحابهم من هناك دون تأخير يعود إلى أسباب عدة، من بينها عدم إبداء المرتزقة الداعمين لحفتر الرغبة في الخروج من ليبيا، فضلًا عن عدم قبول بعض هذه المليشيات في بلدانهم، ورغبتهم في الاستفادة من المال والبقاء على الأراضي الليبية لتحقيق مكاسب أكبر.

إلا أن أبرز سبب لذلك، يتمثل في رغبة بعض الدول في الاحتفاظ بنفوذها في ليبيا عن طريق هؤلاء المرتزقة، وتسعى دول عديدة كما قلنا إلى فرض سيطرتها على ليبيا، حتى تتمكن من الانفراد بخيراتها الطبيعية الهائلة ومميزاتها الجغرافية وموقعها المتميز (روسيا وفرنسا)، وأيضا تتحكم في مسار البلاد السياسي (الإمارات ومصر) بما يخدم مصالحها وأجنداتها الإقليمية.

هذه الدول الأجنبية، رغم ادعاء سعيها معاضدة الجهود الأممية لفرض السلام في ليبيا وتأييدها خطط إخراج المرتزقة من هناك، فإنها تعمل سرًا على تأزيم الوضع للحفاظ على مصالحها وامتيازاتها الكثيرة في هذا البلد العربي.

نفهم من هنا، أن هؤلاء المرتزقة الأجانب موظفون لخدمة أهداف داعميهم وقياداتهم الخارجية، فحتى لو اتفق الليبيون على إبعادهم من بلادهم لن يكون بمقدرتهم ذلك، فإخراج المرتزقة من ليبيا مرتبط بوجود إرادة دولية لذلك، وهو ما لا يتوافر حاليًّا.

أمام هذه المعطيات والحقائق، يتوجب على الليبيين بذل جهود إضافية لإقناع الدول الأجنبية التي أرسلت المرتزقة لإخراجهم من هناك لضمان مستقبل ليبيا بعيدًا عن العنف والفوضى التي تسبب فيها تلك المجموعات المسلحة الأجنبية.



الخلاصة

هو موقع إخباري تجدون فيه كل ماهو جديد وحصري في عالم السياسة ، الصحة ، الرياضة ، التكنولوجيا ، الفن ، الطبخ وحتى الصناعات اليدوية ، أيضاً التاريخ ، كونوا في الموعد لنوافيكم بكل ماهو جديد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى