منوعات

تفتت الموقف العربي وضرب قضية فلسطين.. نبوءة القليبي التي حققها أبو الغيط

الأحداث الراهنة التي يعيشها العالم العربي والمخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية والمتأتية أساسًا من مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (صفقة القرن) وانخراط بعض الدول الخليجية في المد التطبيعي المخزي، يفرض علينا إعادة قراءة تاريخ العمل العربي المشترك ضمن إطار الجامعة العربية باعتبارها الكيان المسؤول عن تنسيق الجهد العربي للوقوف أمام خطط قطع روابط التضامن وتصفية القضية الجامعة.

كمُسلّمة بديهية يُمكن الانطلاق منها في هذا التقرير، فإن التطبيع الذي أعلنته بعض الدول العربية يأتي في سياق مسار متكامل وإستراتيجية وضعتها القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية عبر قراءة ودراسة مبنية على التحليل الكمي والكيفي للأوضاع العربية على كل المستويات، وهو ناتج أيضًا عن تحولات في بنية النظام العربي وطبيعة الحكام الجدد وتغير الفاعلين في المؤسسة العربية (الجامعة) خاصة بعد ثورات الربيع العربي وبروز قوى محركة لهذا الكيان وتراجع القيادة التقليدية (القاهرة).

بالعودة إلى الوراء، يمكننا تفكيك عناصر الأزمة الراهنة ومسبباتها التاريخية والسياسية وحتى الاقتصادية، وكلها مرتبطة بكيان الجامعة العربية بصفته راعي العمل المشترك والمسؤول الأول تاريخًا وعرفًا عن القضية الفلسطينية، ولا شك في أن الجامعة العربية ومنذ نشأتها تبنت القضية الفلسطينية منذ بداياتها الأولى واعتبرتها القضية المركزية ومناط العمل المشترك الذي يتطلب الدفع بكل الطاقات والموارد، وهو ما يُفسر سيطرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي على أعمال أغلب القمم العربية، إلا أن الجهود التي بُذلت من أجل توحيد الصف العربي دفاعًا عن هذه القضية لم تصل إلى حد الحيلولة دون قيام دولة الاحتلال أو مضيها في تحقيق أطماعها وتوسعاتها على حساب الحقوق العربية الأصيلة والمشروعة.

يُعطينا تاريخ نشوء التكتل والسياق الذي تكونت فيه الجامعة والأهداف التي تم تحديدها، فكرة شاملة عن البنية الأساسية للمؤسسة التي لا تزال قائمة حتى اليوم وأخفقت جميع محاولات تجاوزها أو تعديلها، فمنذ أن كانت الجامعة فكرة في رؤوس المشرفين عليها ظهر التناقض في توجهات قطبين متعارضين في الرؤى الجيوإستراتيجية للمنطقة، يهدف الأول إلى تكوين دولة قومية عربية واحدة تزيل آثار التقسيم الاستعماري وتجاوز مخلفات اتفاقيات سايكس بيكو وتعيد توحيد المنطقة العربية، والثانية تعمل على تكريس الهوية المحلية واستقلالية قرارات الدول.

الإشكال حسمه رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس بالتوقيع على بروتوكول الإسكندرية عام 1944 كوثيقة أولى للجامعة التي ستتأسس في العام التالي (1945)، بترجيحه فكرة إنشاء رابطة تكتفي بدور التنسيق بين سياسات الدول الأعضاء على حساب الدعوة لإنشاء اتحاد الدول، وهو أمر سيلقي بظلاله على أعمال الجامعة وقدرتها على تحقيق أهدافها.

كرونولوجيًا، يُمكن تقسيم عمل الجامعة العربية إلى 4 مراحل: الأولى تبدأ منذ نشأتها (1945) إلى تاريخ انعقاد قمة 1964، كانت دورية انعقاد القمم أمرًا خارج نطاق تفكير النظام الرسمي العربي، فخلال تلك الفترة (20 عامًا) لم تنعقد مؤتمرات عربية على مستوى القمة إلا مرتين فقط الأولى في أنشاص عام 1946 والثانية في بيروت عام 1956.

المرحلة الثانية هي مرحلة العمل والتعثر، حيث بذلت فيها محاولات جادة لتحويل القمة العربية إلى إحدى مؤسسات الجامعة التي تنعقد بصورة دورية ومنتظمة، لكن دون الإصرار على أن تقترن بالضرورة بعملية قانونية لتعديل الميثاق أو إضافة ملحق جديد له، وتمتد هذه المرحلة من عام 1964 وحتى عام 2000.

وشهدت هذه المرحلة انعقاد 22 مؤتمرًا للقمة، غير أن فكرة الدورية والانتظام لم تتحقق بالكامل طوال هذه المرحلة، حيث شهدت بعض الأعوام انعقاد مؤتمرين في عام واحد (1964 و1990)، وطالت لأكثر من سنتين وثلاث سنوات في بعض الأحيان (ما بين مؤتمر فاس الثاني عام 1982 ومؤتمر الرباط 1985)، وما بين مؤتمري القاهرة في يونيو 1996 وأكتوبر 2000، بل إنها وصلت إلى أكثر من 6 سنوات.

المرحلة الثالثة: بدأت عقب مؤتمر القاهرة لعام 2000 إلى غاية 2011، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة الدورية المؤسسية، وفيها تم تقنين دورية انعقاد القمم العربية، وعرفت ولأول مرة في تاريخ الجامعة العربية، انتظام اجتماعات القمة العربية وتحولها بالفعل إلى اجتماعات دورية عادية لمجلس الجامعة على مستوى القمة تعقد مرة واحدة كل عام خلال شهر مارس.

المرحلة الرابعة انطلقت مع الثورات التي شهدتها المنطقة منذ 2011 إلى الآن، حيث شكلت الثورات وحصار قطر وحملات التطبيع ضغوطًا شديدة على جامعة الدول العربية، فلم تؤد فقط إلى سقوط قواعد العمل التي اعتادتها الجامعة وحسب، لكنها فرضت عليها أيضًا الدوران 180 درجة حول مبادئها وقناعاتها المستقرة.

أهم القمم والقرارات

  • قمة بيروت 1956، جاءت عقب العدوان الثلاثي على مصر وأعلنت في بيانها الختامي إدانتها لهذا العدوان وتمسكها بحق الدفاع المشروع عن النفس.
  • قمة القاهرة 1964 عقب قرار “إسرائيل” تحويل مياه نهر الأردن، طالب عبد الناصر بضرورة مشاركة دول الخليج بالموارد المالية اللازمة لتمويل مشروع تحرير فلسطين، كما تمت الدعوة أيضًا إلى توحيد الفصائل الفلسطينية وهو ما تحقق في قمة الإسكندرية من العام نفسه بميلاد منظمة التحرير.
  • قمة الخرطوم عقب نكسة 1967، عرفت بعد ذلك بـ”اللاءات الثلاثة”، حيث وضع قرار في الفقرة الثالثة وهى: “لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل”.
  • قمة 1970 بالقاهرة إثر وقوع الاشتباكات بين المقاومة الفلسطينية والسلطات الأردنية، المعروفة باسم أحداث أيلول الأسود.
  • قمة 1973 بالجزائر عُقدت بناءً على طلب مصر وسوريا بعد حرب أكتوبر وأكدت ضرورة التحرير الكامل لكل الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” في 1967، والاستمرار في استخدام النفط سلاحًا في المعركة.
  • قمة بغداد 1978 تم فيها اتخاذ قرار بتجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية، بسبب توقيع الرئيس الراحل أنور السادات على اتفاقية كامب ديفيد، ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، واتخذت قرارًا بوقف تقديم أي قروض وإيداعات وتسهيلات عربية إلى الحكومة المصرية.
  • قمة عمان 1980 أقرت بقطع العلاقات مع أي دولة تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس وهو القرار الذي لم ينفذ حتى الآن.
  • قمة فاس بالمغرب 1982، عقدت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على بيروت، حيث قدم العرب للمرة الأولى مشروعهم للسلام، الذي يقضي باستعدادهم للتفاوض على السلام مقابل انسحاب “إسرائيل” من كل الأراضي التي احتلتها عقب حرب يونيو 1967.
  • قمة الدار البيضاء 1989 وإقرار العرب إعادة عضوية مصر من جديد بعد 10 سنوات من تجميدها، وإعادة مقر الجامعة العربية من تونس إلى القاهرة.
  • في عام 1990 عقدت قمتان عربيتان الأولى في مايو ببغداد وعقدت الثانية منتصف أغسطس في القاهرة، وصدر عنها قرار يدعو العراق لسحب قواته من الكويت، وتشكيل قوى عربية مشتركة ونقلها إلى السعودية بموافقة 12 دولة ورفض 8 دول أخرى القرار.
  • قمة 2000 بالقاهرة عقدت بعد 3 أسابيع من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية واقتحام المسجد الأقصى، بحثت القمة انهيار عملية السلام بعد فشل قمة كامب ديفيد الثانية وأدانت عدم استجابة “إسرائيل” إلى نداءات السلام، وأكدت الحقوق التاريخية في فلسطين كما نتج عن هذا الاجتماع تكوين صندوقين باسم الفلسطينيين تصل قيمتهما إلى مليار دولار.
  • قمة بيروت 2002 تبنت مبادرة ولى العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز بشأن الصراع العربي الإسرائيلي أو ما يعرف بمبادرة حل الدولتين.
  • قمة شرم الشيخ 2003، رفضت الدول العربية غزو العراق فيما عرضت الإمارات اقتراحًا بتنحي الرئيس صدام حسين لتفادى الحرب وهو ما رفضه العراق.
  • قمة نواكشوط 2016 تم فيها التزام الدول العربية بالتصدي للتهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي وتأكيد مركزية القضية الفلسطينية واعتبار عام 2017 عام إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين،
  • قمة البحر الميت في الأردن 2017 تم فيها مناقشة ملف القضية الفلسطينية ورفض ترشيح “إسرائيل” لعضوية مجلس الأمن لعام 2019 و2020.
  • قمة الظهران في السعودية 2018 وسُميت قمة القدس، أكدت رفض كل الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب التي تغير الحقائق وتقوض حل الدولتين وبطلان وعدم شرعية الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، مطالبة دول العالم بعدم نقل سفاراتها إلى القدس أو الاعتراف بها عاصمة لـ”إسرائيل”، وتأكيد مركزية قضية فلسطين بالنسبة للأمة العربية جمعاء.
  • قمة تونس 2019 أكدت مركزية القضية الفلسطينية واعترافًا بالقدس عاصمة لفلسطين وتأكيدًا على الهوية السورية للجولان.

من خلال العرض السابق لتواريخ القمم العربية وأسباب انعقادها، يُمكن الجزم بأن أغلب القمم جاءت كردود فعل لمبادرات (قرارات واشنطن) أو انتهاكات (الاحتلال) وليس تحسبًا أو تحرزًا واستعدادًا لبعض الأزمات، وأن قراراتها ومخرجاتها لم تستهدف المعالجة الحقيقية لأسباب انعقادها بقدر ما كانت تستهدف تخفيف حدة الضغوط التي تثيرها هذه الأزمات على الأنظمة العربية.

كما يُستنتج أن فشل هذا الكيان في إدارة ملف حيوي (فلسطين) يهم الأمة بأسرها يعود إلى عدة عوامل رئيسية أهمها: بنية التكتل وقواعده وقوانينه وغياب الإرادة السياسية للأنظمة التي ما زالت إلى الآن في حالة تبعية للولايات المتحدة، وإلى تغلغل القوى الغربية في أروقة الجامعة عبر وكلاء من نفس الجلدة.

ومن نافلة القول إن جامعة الدول العربية لم تُحسن إدارة الملف الفلسطيني ولم تؤصل لقواعد وسياسات مشتركة تقود من خلالها المعركة الرئيسية للعرب، ويتجلى ذلك في الاتفاقيات المبرمة بين بعض الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي (مصر (1978) والسلطة الفلسطينية (1993) ثم الأردن (1994)) التي لم تُثمر حلًا للقضية ولم تضمن حقًا للفلسطينيين.

فيما يخص القضايا الأخرى، فإن عجز الجامعة عن منع تدويل الأزمة العراقية الكويتية في المؤتمر الذي عقد مرة ثانية عام 1990، يُدلل على فشل ميكانيزمات التكتل الدبلوماسية والقانونية في إدارة النزاع وأن أداء الجامعة العربية كان ضعيفًا لا يرتقي لتطلعات الشعوب، إضافة إلى تحولها لهيئة تابعة للخارجية المصرية بدفع من حسني مبارك، وهو ما يفسر رفضه عقد جلسة مغلقة لمناقشة البيان الختامي لقمة القاهرة 1990 وتوجهه للتصويت مباشرة رغم معارضة بعض الدول، وذلك بحسب مذكرات أمين الجامعة العربية السابق عمرو موسى.

في ذات السياق، فإن حقبة التسعينيات تُعد من أسوأ فترات العمل العربي المشترك خلال هذه المرحلة، حيث لم تنعقد القمة العربية خلالها إلا مرة واحدة عام 1996، وهو مؤشر واضح عن بداية دخول النظام العربي من جديد في مرحلة التحنط السياسي، فيما يرى مراقبون ومنهم المحلل السياسي أحمد عوض، أن دور جامعة الدول العربية انتهى كمنظمة إقليمية تحمي أعضاءها، منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وصمتها عن تقسيم السودان إلى شطرين متنازعين.

أما في 2011، فكانت جامعة العربية أمام فرصة تاريخية لتعديل أوتارها وبلورة موضع في قلب المشهد الجديد، إلا أنها عجزت عن مسايرة التغيرات لأسباب هيكلية متمثلة في قوانين وقواعد التكتل التقليدية وبروز مجموعة ضغط تعمل على إدارة النظام من داخل جهازه الرئيسي وهي السعودية والإمارات بمساعدة مصر.

ارتباك الجامعة العربية في التعامل مع الربيع العربي تجلى في مواقفها الواضحة في المراحل الأولى للثورات، حيث اعتبرت أحداث تونس في 17 من ديسمبر 2010، شأنًا داخليًا، فيما خيرت الصمت تُجاه التغير السياسي في مصر ولم يصدر عنها أي بيان أو وثيقة في الغرض، وكذلك في التعامل مع ملفات حارقة كالأزمة الليبية واليمنية، والأخيرة تم إحالة إدارة أزمتها حصرًا إلى السعودية والإمارات خلافًا لميثاق الجامعة.

الجامعة العربية بملامحها ولاعبيها الجدد صمتوا أيضًا عن المجازر الوحشية التي يرتكبها نظام الأسد وحليفاه الإيراني والروسي في سوريا، ولم تُحاول الدفع لفض النزاع العربي العربي المتمثل في حصار دولة عربية (قطر) من خمس دول عربية أعضاء في نفس “الرابطة”.

بات من الواضح أن السعودية والإمارات كشفتا عن رغبة جامحة في توظيف الجامعة لتدعيم موقفهما وكيانهما الخليجي وفق رؤية مغايرة للواقع ومتمثلة أساسًا في التصدي لموجة الثورات ودرء خطرها على أنظمتها، وبذلك يُمكن القول إن هذه القوى الصاعدة تعمل على إدارة السياسية الانتقالية للجامعة العربية بما يخدم مصالحها وأجنداتها الخاصة.

من خلال التفصيل الزمني لعمل الجامعة العربية وجملة الصراعات التي عاشتها منذ نشأتها، يُمكن الوقوف على مجموعة من الاستنتاجات أهمها ما يلي:

  • الرابطة التي تكونت في الخمسينيات لم تكن تهدف لإيجاد أداة قانونية وسياسية تدفع نحو دمج البلدان العربية وتوحيد سياساتها لتعزيز استقلالها جميعًا وزيادة فرص تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على شاكلة الاتحاد الأوروبي وغيره من التكتلات.
  • الهدف كان تكريس الوضع الجيوإستراتيجي الذي خلفته الحقبة الاستعمارية وتأمين استمرار تبعية المنطقة للسياسات الغربية وبشكل خاص بريطانيا، وهذا واضح من نص بروتوكول الإسكندرية الذي جعل استقلال وسيادة الدول الهدف الأول لها دون التطرق لدمج أو توحيد.
  • قواعد عمل الجامعة تؤكد أن قراراتها تتخذ بالإجماع وليس بالأغلبية كما أن هذه القرارات ليست ملزمة إلا في حالة النزاع بين دول، هذا الأمر يُعطل اتخاد قرارات مصيرية كإعادة هيكلة التكتل أو إنشاء مجلس الأمن العربي ومحكمة عربية.
  • استفراد مصر بمنصب الأمين العام، ما يعني تأثره بقرارات دولته وتوجهاتها (7 أمناء من أصل ثمانية).
  • عدم توافر قدرات عربية تتعامل مع النظام العالمي الجديد قصد حماية المنطقة من مخططات الهيمنة والتوسع الإسرائيلي.
  • فيما يخص موقف الجامعة من تطبيع الإمارات ودول أخرى مع الاحتلال واعتباره شأنًا سياديًا، فيعود أساسًا إلى إسقاط ميثاق الجامعة من بنوده النص الذي ورد في البروتوكول الذي يقضي بعدم إمكان قيام أي دولة عربية بانتهاج سياسة خارجية تخالف سياسة الجامعة أو تصطدم معها صراحة.

يمكن القول إن فترتي التونسي الشاذلي القليبي الذي خلف محمود رياض (استقال في مارس 1979) والمصري أحمد أبو الغيط مفصليتين في تاريخ العمل العربي، تتشابهان في الأزمات وحساسية المواقف وتختلفان في طريقة التعامل والتسيير، فالأول ترأس الجامعة العربية في ظرف عرف فيه العرب تشرذمًا في المواقف وانقسامًا حادًا على خلفية معاهدة كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات وحرب الخليج الثانية، والثاني تميزت عهدته بنكوص الجامعة عن هدفها الرئيسي وهو المحافظة على الحق الفلسطيني.

حاول القليبي ترميم التصدعات التي لحقت بالجامعة العربية وتنقية الأجواء المشحونة، باعتماده على فريق ضم أبرز النخب والكفاءات العربية منها الجزائري الأخضر الإبراهيمي واللبناني كلوفيس مقصود، وسعى إلى العمل من أجل تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك وإدارة الأزمات عبر قنوات دبلوماسية سلسلة تقوم على مبدأ التضامن العربي ووحدة الصف.

ويُمكن اعتبار نص استقالة القليبي من أمانة الجامعة العربية وثيقة تاريخية ومرجعًا يحمل توصيفًا دقيقًا لتلك المرحلة الحرجة التي مر بها التضامن العربي، فالقليبي ومن ورائه بعض الدول كتونس وموريتانيا والجزائر وليبيا كانوا ضد العدوان علي العراق واجتياح الكويت في ذات الوقت، على اعتبار أن غزو العراق لا علاقة له بتحرير الكويت كما كان يدعي الأمريكيون ووكلاؤهم العرب، وهي رؤية تنم عن أن الأمين العام استشعر أن قبول التدخل العسكري في دولة العربية سيفتح الأبوات لأجندة أشمل قوامها سوْق الدول العربية واحدة تلو أخرى إلى المذبح الاستعماري الجديد.

ويبدو أن نبوءة القليبي بدأت في التحقق منذ زمن، فبسقوط بغداد التي كان المشرق ينظر إليها كحصن لصد المد الشيعي تداعت قلاع العرب تباعًا، ويقول الأمين الأسبق للجامعة العربية في نص استقالته (5 من سبتمبر/أيلول 1990): “قد أصبح من الواضح، أن العمل العربي مُقدِم على انقسام خطير، وربما لمدة طويلة”، مضيفًا ” الأمر، بلغ، اليوم، ذروة الخطورة… والسبب هو إصرار جهات أجنبية على استعمال القوة، وأولًا، وأساسًا، القضاء على قوة عربية، بإمكانها أن تحد من أطماع “إسرائيل” بالتوسع والهيمنة على المنطقة”، مؤكدًا أن “الدمار يهدد، اليوم، المنطقة كاملة، وكذلك القضية المركزية، قضية الشعب الفلسطيني، والانتفاضة المجيدة الباسلة، وقضية لبنان الجريح، التي تراجعت في سلم الأولويات العربية والعمل العربي المشترك”.

القليبي كان له أيضًا تحفظ واضح على دور الجامعة العربية الذي أهمل الضلع الأهم في المعادلة وهي الشعوب، حيث أشار في حوار مع مجلة المستقبل العربي ونُشر في مارس/آذار 2016، إلى أن العالم العربي بحاجة إلى مشروع حضاري يُمكنه من نهضة حقيقية، وهي مرحلة تقتضي أن ترتكز الجامعة العربية على قاعدتين: الأولى أمور الدول والثانية شؤون المجتمعات.

 على عكس القليبي الذي كان مثقلًا بهموم الأمة، فإن دور أحمد أبو الغيط يُعد وظيفيًا بامتياز، فمنذ تقلده المنصب في 10 من مارس/آذار 2016 خلفًا لنبيل العربي، أثبت أنه أنموذج للدبلوماسي الكلاسيكي الذي يؤدي المهام الموكلة إليه دون اجتهاد، فيما يرى مراقبون وإعلاميون مصريون منهم وائل قنديل أن ترشيح أبو الغيط لهذا المنصب توافق مع “الرغبة الإسرائيلية، وهو إقرار صامت، وإذعان تام لإرادة التطبيع، كما كان يلتزم بها مبارك”.

ويبدو أن القاهرة انخرطت مبكرًا في خطط تفريغ التكتل العربي من أهدافه ومضمونه كرمز لهوية جامعة تمهيدًا لفك العزلة عن الاحتلال الإسرائيلي وتأكيد استقراره وانتماءه النهائي إلى المنطقة الشرق الأوسط، عبر توقيعها لاتفاقية كامب ديفيد ومن خلال تنصيب نبيل العربي على رأس الأمانة العامة وهي حلقة أخرى من سياسة تطويع النظام المصري للجامعة، فالرجل عمل مستشارًا سياسيًا وقانونيًا للوفد المصري في أثناء مفاوضات كامب ديفيد في أمريكا أواخر السبعينيات من القرن العشرين.

ذات الأمر ينطبق على النظام المصري الجديد بقيادة عبد الفتاح السيسي، الذي أحدث صعوده تحولًا جذريًا على سياسات الجامعة ومبدأ التضامن والوحدة العربية، وما تعيين أحمد أبو الغيط الذي عرف عنه مواقفه المعادية لحركة مقاومة الفلسطينية حماس، إلا دليلًا على تغير في نهج دبلوماسية القاهرة وتماهيها مع مشاريع شق الصف العربي ومخططات الاحتلال.

اسم أبو الغيط ارتبط بصورة منقذ تسيبي ليفني من السقوط وبالتوتر الشديد في 2008 الذي نشب عند معبر رفح بين الفلسطينيين وقوات الأمن المصرية عقب القصف الاسرائيلي العنيف للقطاع ومحاولة الآلاف الفرار من القصف عبر مصر، وأثارت تصريحاته آنذاك غضبًا كبيرًا في قطاع واسع من الشعب العربي، حينما قال إن بلاده “ستكسر رجل أي فلسطيني يتخطى حدودها”.

صعود الرجل للأمانة العامة للجامعة العربي رغم التحفظات الجزائرية القطرية، مثل منعرجًا حاسمًا في تهيئة عملية الاختراق الجيوسياسي الإسرائيلي للمنطقة العربية وفتح الباب لصفقة جديدة في الشرق الأوسط واعتراف واسع النطاق بالاحتلال الإسرائيلي ضمن مخطط تقوده واشنطن.

في مقابل ذلك، وحتى نكون منصفين لا يُمكن حصر تراجع موقع القضية الفلسطينية في جدول أعمال العرب في نكوص الأنظمة الحاكمة عن مسار المقاومة وانسياقهم وراء محاولات الغرب لتوظيفهم ضمن الإستراتيجيات الدولية، فالفلسطينيون أنفسهم يتحملون قسطًا من المسؤولية بعجزهم عن إرساء توافق داخلي صلب يمكنهم من الضغط والمساومة في الجامعة العربية وغيرها من المنظمات.

من السابق لأوانه تحديد ملامح الجامعة العربية الجديدة التي تسيطر عليها السعودية والإمارات بعد أن تراجع دور الدول الوازنة كالأردن ومصر التي تخلت عن دورها الريادي مقابل الدعم السياسي والمادي المزجي خاصة بعد صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، إلا أنه من المؤكد أن التضامن العربي تآكل وأخرج صدأه إلى العلن، وأن المنطقة تسير إلى مزيد من التشرذم مدفوعة بتغيرات راديكالية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أكده الرئيس التونسي السابق محمد المنصف المرزوقي من أن “الجامعة العربية كيان ميت”.

بالمحصلة، يمكن القول إن هيكل الجامعة بشكله الحاليّ لا يؤهله لتفعيل التضامن أو التآزر العربي أو الدفع في اتجاه تحقيق المصالح المشتركة كالأمن والنهضة بكل مستوياتها، لذلك فهي لن تخرج عن إطار الملتقى الجامع للحكومات والزعماء العرب الذي يُمكنهم من التنسيق وإرساء تفاهمات في غرف مغلقة يطغى عليها منطق المساومة وعقد الصفقات، أو من دور اللاعب الوظيفي الذي يُكرس من خلاله مشروع التقسيم الجديد لضمان مناطق نفوذ القوى الاستعمارية ووكلائها من مخاطر تطور الحركة الشعبية المعادية للغرب والكيان الصهيوني، خاصة أن الشارع العربي ما زال ينبض باسم القدس.



الخلاصة

هو موقع إخباري تجدون فيه كل ماهو جديد وحصري في عالم السياسة ، الصحة ، الرياضة ، التكنولوجيا ، الفن ، الطبخ وحتى الصناعات اليدوية ، أيضاً التاريخ ، كونوا في الموعد لنوافيكم بكل ماهو جديد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى